محمد كرد علي
45
خطط الشام
منها الفرنج وصاغوا لفظ « اميرال » والأصل فيها أمير الماء أي الربان الأعظم وقائد الأسطول ، وقد أخذ الفرنج من العرب استعمال إبرة السفينة ( الحك أو الحقة ) وكان العرب أخذوها عن الصينيين فيما قيل وأخذها الفرنج عنهم في الحروب الصليبية . ولما فتح العثمانيون الشام ومصر كان الأسطول العثماني في إبان قوته ، وكانت بعض سفنهم تقلع من مواني الروم وتأتي ساحل الشام ، وبعضها يقف بالمرصاد لقرصان البحر ، وإذا حدثت فتنة داخلية كانوا يجهزون بعض مراكبهم لتساحل الشام وتشاطئ الأرض التي نجم فيها الشر ، حتى إذا ضعفت بحرية العثمانيين بضعف الدولة - ولا سيما بعد أن أحرق أسطولها والأسطول المصري في نافارين يوم الفتنة اليونانية سنة ( 1827 ) أصبحت السفن التي يتمتع سكان السواحل بمرآها للأمم الحديثة ، ولا سيما الروسيون والجنويون والبنادقة والفرنسيون والإنكليز ، وقلّت سفن البرتقاليين والإسبانيين لأن طرق مستعمرات هاتين الدولتين وتجاراتهما لم تكن على بحرنا ، وسفنهم تمخر العباب إلى وجهات أخرى في أميركا وآسيا . والغالب أن الصناعة أي صنع المراكب كان خاصا بالإستانة ولم يعهد في دور العثمانيين أن أنشأوا سفنا في صناعات الشام . وكان للعثمانيين مراكب في الفرات يستخدمونها لنقل جيوشهم من الشام إلى العراق ، ولا سيما في زمن الثورات والأزمات ، على ما يفهم من كتاب أسفار البحار لكاتب جلبي . وانحلت بحرية الترك في أواخر أيامهم حتى صرت لا تشاهد في ساحل الشام إلا على الندر مراكب عثمانية ، وهي إذا قيست إلى غيرها تبين الفرق العظيم بين بحرية الأمم المتحركة المتجددة وبحرية الأمة الجامدة الخامدة . وكانت الدولة إن صحت عزيمتها في أواخر أيامها أن تنشئ لها طرادا أو رعادا أو غواصة أو دارعة أو يختا ، توصي عليه في صناعات إيطاليا أو فرنسا أو إنكلترا ، لأن العلم بذلك فقد من بنيها ، ولم تسر مع العصر في الرقي البحري ، كما سارت مع العصر في الجيش البري ، بمعنى أن الدولة العثمانية أصبحت قبيل انقراضها دولة برية فقط ، وكانت تجمع المزيتين